الجمعة، 20 يونيو، 2014

في اليوم العالمي للاجئين: ربطات عنق للاجئين ! #WorldRefugeeDay #Refugees


أميرة الطحاوي - عن المدن اللبنانية

"اللاجئين هايلبسوا كرافتات برضه؟" قال مسؤول منظمة محلية لرعاية اللاجئين ممتعضا، بينما يفتح صندوقا ضخما من الورق المقوى حملتني إياه زميلة مساعدةً منها للاجئين السودانيين في مصر عقب مذبحة المهندسين الشهيرة ضدهم نهاية العام 2005 ، على يد الأمن المصري الهمام وبتواطؤ لا يخفى من المنظمة الدولية ورعونة بعض القادة من اللاجئين أنفسهم، عقب المذبحة بات اللاجؤون في شتات بين كنائس ومعسكرات ومنازل ومساجد في أطراف العاصمة المصرية الضخمة، فكر الأصدقاء فيما يمكن ان يقدم لهم في هذا الشتاء، ملابس وأغطية، حساسية البعض لم تتقبل أن يكون هناك ولو بالخطأ أشياء قد لا يحب اللاجيء أو لا يريد ارتداءها، مثل "الكرافتات"! اعتبروا الأمر إهانة ولم يكن هكذا أبدا. لاحظت حينها تبرمهم الشديد من الكثير، أشياء وأشخاص. لم أكن لأرد نيابة عن أحد ولكن أفهم تماما أنهم يريدون أن يصرخوا بما حدث لهم، ولو عبر السخرية من أية مساعدة. أرادوا أن يعاملوا كضحية تحتاج لتكرار الود والاعتذار لهم، وفي الآن نفسه بعض الشعور بالقوة والرد ، ولو على أي من كان.


حساسية اللاجيء جزء مما مر ويمر به، وستبقى معه ويجب أن تفهم في إطار أوسع، بالنظر لما يمر به أيضا في بلد اللجؤ وليس فقط موطنه الأصلي. لذا فالعاملون في مجال إغاثة اللاجئين في عالمنا العربي ليسوا بحاجة لحفظ القانون الدولي وتوزيع عناوين وبطاقات مقار الإغاثة، بقدر ما هم بحاجة لعقل يستوعب وقلب يتعاطف صادقا متحملا. أما النظرة للاجيء نفسه من مواطني وإعلاميي العالم العربي فيجب أن تتغير أيضا. وأن تعلو عن فكرة "الأغراب الذين لا حول لهم ولا قوة". أو "الجبناء الذين فروا من بلادهم" كما ردد لفترة ساسة ومشاهير في الإعلام 2013. فهم قانونيا لديهم حماية من الأمم المتحدة نفسها. ورسول المسلمين محمد قد فر من مكة، وفر أصحابه للحبشة. وفر أتباع ديانات اسبق لأراض أخرى هربا من عنف لا يحتمل. لم لا تصفونهم بالجبناء؟. وربما على اللاجئين أيضا أن ينتظموا أكثر في تجمعات تمثلهم وفق الشرعة الدولية وليس انتماءاتهم المذهبية والقومية والأولية عامة. لقد كان من المزعج ان يندلع شجار بين علويين وسنة في مخيم بتركيا نهايات العام 2011 لمجرد ان كل طرف لا يطيق ان يضمه أسلاك معسكر واحد مع مواطنه الذي يحمل هوية دينية أو قومية مغايرة له!

صحيح انه من الصعب أن تشعر باللاجيء تماما، أن تضع نفسك في قدمه، أو أن تضع قدمك مكانه، تغرس أصابعها في الأرض حتى لا يقتلعك الطغاة والغزاة وحتى السيول والكوارث الطبيعية، تنهار حتما فتضطر لأن ترحل طالبا الأمن والحفاظ على أولى حقوق الإنسان: حقك في الحياة لا أكثر، تغرس أقدامك من جديد في صحراء وجبال عبر مصر والسودان، أو رمال عبر ليبيا وصولا لساحل المتوسط، ثم تدفع الرشاوى لو حالفك الحظ وهربت من الاعتقال وفق اتفاقية ثنائية سابقة بين ليبيا القذافي وبين ايطاليا الأوربية، والمدهش أنها لازالت تطبق عمليا حتى الآن. وفي جنوب المتوسط (إذا لم يغرق بك قارب الموت) ستعامل بإنسانية حتى تنتهي قريبا جدا ميزانيات واتفاقيات أوربية تسمح بهذه الإنسانية.
في الأردن ستضطر لتقبل فكرة عدم توقيع المملكة على اتفاقية جينيف، وستعيش على تعديلات وتفاهمات وظروف اقتصادية متقلبة، وسيتغير اسم المخيم الذي ستعيش فيه عن الرشيد ويبتعد قليلا من الحدود، وسيزورك ولي عهد بريطانيا وعقيلته، لكنك ستبقى لاجئا محاطا بأسوار، وستغرق بمياه الأمطار من حين لآخر وكأن أحدا لا يعلم طقس هذه المنطقة قبل تشييد المخيمات بهذا الشكل، وستسمع من فترة لأخرى طبول وهتافات تريد طردك. أما في إسرائيل فقد وقعوا الاتفاقية الدولية لحسن الحظ ، لكنهم ينتهكون كل بند فيها بدء من تجريم اللجؤ ومنع "المتسللين" من التقدم بطلب لمقابلة ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصولا للإعادة القسرية للبلد الذي فررت منه، وحبس واعتقال لسنوات تصل لخمسة، أو تدفع الدولة (الديموقراطية وفق هواها) أموالا لتهجيرك لبلد رابع (وليس ثالث كما تقول الاتفاقيات) ، في السعودية لا يوجد ما يمنع أن يعيش اللاجؤون في الصحراء سنوات منذ العام 1991 وحتى عقب 2003 عندما أطيح بمن فروا منه، وعلى حدود اليمن لا يحاسب أحد عندما يدفع الحرس السعودي اللاجئين الفارين من المعارك في 2010 للعودة فيقتل منهم العشرات. وفي لبنان ستضطر في بعض الأماكن لأن تخضع لحظر تجول عليك فقط لكونك لاجئا سوريا ، وستكون محظوظا إذا ما نجوت من الصخب السياسي والطائفي اليومي، صياحا وعنفا، انت محسوب على طرف بصورة ما، وأنت في بلد يئن اقتصاديا فيضطر أطفالك أحيانا للعمل حتى لا يموتوا.
في الجزائر ستحظى كل عدة أشهر بزيارة لأقاربك عبر الحدود ، بسبب حدث سياسي منذ أكثر من 35 عاما ، انت لاجيء ولا يمكن لم شملك مع أسرتك لكن ستزورهم عبر أسلاك أو في مقابلات بحضور وسيط دولي.
في السودان وجنوب السودان، ستقتل في كردفان لأنك من دارفور، وفي المخيمات ستغتصب النساء عندما يخرجن لجلب المياه والحطب، وستقتل في مسجد بالجنوب مع مسيحيين ووثنيين لمجرد ان فصيلا أراد الانتقام من هزيمته على يد آخر. وستهرب لملكال أو غيرها وقد تقتل بأسلحة متطورة أو بالحراب طعنا، فأنت لاجيء ليس إلا، وعندما يحصون القتلى سيقولون من هذا الفصيل سقط عشرة مقابل خمسة من محاربي ذاك الجناح، ولن يذكرك احد في مقاصة الحرب أو لعبة الأرقام. ربما لو كنت صوماليا تهرب عبر البحر لليمن حتى إذا ما اضطربت الأوضاع هناك عدت للصومال فيتسلمك المتشددون. انت لاجيء طائر منتقل بين الصومال وبونتلاند وكينيا واليمن وغيرها. ستموت أيضا فليس هناك ما يحفظ حياتك منذ 24 عاما. لا  يقدر الكثير الحق في الحياة في هذه المنطقة من القارة المنكوبة.
يموت اللاجؤون أو يعيشوا كالأموات، لأنهم يخصمون كرقم من عداد البشر والأحياء بمجرد ان يتحولوا إلى ... ملتمسي حماية أو لاجئين. سيجرموا لو انهم سافروا واعتبروا "مهاجرون غير شرعيين" حسب الكلمة التي يلوكها الاعلام العربي بكل تعال وعظيم جهل. آن لهذه القسوة كلها ان تتوقف. ان نفهم ونتفهم ونتعايش ونساند، ففي ظل اضطرابات عالمنا العربي : رفقا بهؤلاء؛ فكلنا لاجؤون ولو بعد حين.

S C