السبت، 5 يناير، 2013

القضاء المصري: تحميل ما لا يحتمل

أميرة الطحاوي*

بتفاؤل مفرط نظر معارضو مبارك في عامي 2005 - 2006 للقضاء، تلك المؤسسة البعيدة نظرياً عن العمل بالسياسة والمحافظة بطبعها، واعتبروا أي تصرف منها ضد النظام مكسباً لهم، وعندما انتظم بعض الشباب يؤيدون اعتصام القضاة، ثم الاحتفاء البالغ ببعض رموز ما اصطلح على تسميته تيار الاستقلال أو الإصلاح بين القضاة وظهر الشعار الحالم "يا قضاة يا قضاة..خلصونا من الطغاة" كان ذلك تعبيرا عن حاجة المعارضة المصرية نفسها لسند يتكئون عليه، ولوجه جديد يتوسمون فيه "نقاءً" لم تلوثه الصفقات ولا الخيبات التي أدمنتها "النخبة" المصرية. لم يدرك المحتفون وقتها تنوع أهواء السادة القضاة ومواقفهم تجاه قضايا الحقوق الفردية والحريات السياسية والعدالة الاجتماعية، لم يدركوا أو آثروا ألا يتوقفوا كثيرا عند هذه الحقيقة.

ليس للقضاة في مصر موقف موحد مثلاً من قضايا الحريات الفردية، وقد سجلت حالات تطاول فيها بعض القضاة في أحكامهم أو مسوغات إصدارها على نص القانون وروحه لصالح تفاسير دينية ومجتمعية ضيقة ورجعية. وبالمقابل كانت الشجاعة التي أبدتها سيدات ورجال من سلك القضاء في وجه التزوير الفج والممنهج لانتخابات مجلس الشعب للعام 2005 محل تقدير مستحق لهم؛ كونهم قرروا ألا يشتركوا أو حتى يتورطوا بالصمت أو التواطؤ فيما كان ديدن بعض سابقيهم.

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير التي شارك فيها القضاة كغيرهم أيضا، كرر الإعلام الحكومي الذي لم يتخلص من ميراث الطاغية القول بأن الجيش وحده المؤسسة الوحيدة المتماسكة والمستمرة في العمل بعد الثورة، وبعد فترة بدأ يضيف على استحياء " والقضاء". المفارقة أن الكذب بيِّن هنا: فكل مؤسسات الدولة الرئيسية كانت تعمل بصورة شبه طبيعية؛ الإدارة المحلية، الكهرباء، والمياه وغيرها، وبل وترسل الفواتير المستحقة في موعدها!، ربما الشرطة وحدها كانت تتمنع عن العمل متعمدة. رسالة الإعلام الرسمي الذي يديره المجلس العسكري، كانت تريد حصانة للقضاء أيضاً.

مستجدات تعصف بالمبالغات
انتصر القضاء لحل الحزب الوطني الحاكم ثم المجالس المحلية، وأصدر في مسوغات حكمه شهادة ساخطة على عصر مبارك، شهادة متأخرة لكن لا بأس بها. بعد أقل من عام على الثورة كان الجيش الذي صور بأنه "حامي الثورة" قد تلطخت أيديه بدماء المدنيين، قل عددهم أو كثر. أما عن القضاء فقد كانت تصريحات وترتيبات بعض القضاة في صيف 2011 لاعطاء المجلس العسكري امتيازات محل هجوم، كما اتهم القضاء بالفساد عندما بدأت المحاكم في إصدار أحكام البراءة، ليس لمبارك ورجاله بعد، بل لضباط متهمين في قتل واستهداف مباشر للمتظاهرين، وفي العام التالي للثورة ومع بدء نظر المحاكم العليا قضايا تمس مجلس الشعب الذي فاز فيه الاخوان والسلفيون بغالبية فيه، خرجت آلتهم الإعلامية ومعهم تيارات إسلامية أكثر تطرفا لتهاجم القضاء بضراوة وأعلن بعضهم عن تبرمه من المحكمة الدستورية التي كان لها الفضل في إسقاط مجلس الشعب لعدم دستورية قانون انتخاب أعضائه، وهاجموا آخرين ممن كانوا أداة في يد مبارك.
وخلال نفس العام، وعقب توالي أحكام البراءة لمتهمين من الشرطة والنظام السابق، ارتفع أكثر صوت "الثوار" و"النخبة" ضد القضاء، الذي بات محل نزاع بين خصوم، أكثر من دوره المفترض كحكم.
مع وصول الرئيس المنتخب محمد مرسي للحكم وما شاب إعلان النتيجة من تلاسن نال فيه القضاء نصيبه، بدأ مرسي في اتخاذ قرارات متسرعة بعضها لا سند قانوني له، اختل أداؤه وتراجع عدة مرات، أعلن عن احترامه للقضاء ثم حصن نفسه ضده. فجأة أصبحت هيئات القضاء تدلي بدلوها في لعبة سياسية لم تكن لها. في الأيام الأخيرة وعقب إقالة مرسي للنائب العام (للمرة الثانية) ودعوته لاستفتاء على الدستور دون انتظار "النقاش المجتمعي" حوله، زادت حدة التوقعات والآمال التي تعلقها أطراف على القضاة، وفي المقابل زادت اللعنات من الطرف الآخر ضده.

انقسامات ومعارك داخلية

ومثلما أصاب البلاد انقسام لا ينذر بخير، كان للقضاء نصيبه، وظهر الانتماء الفكري للقضاة على قرارات بعضهم وتصريحاته. وبينما أكد المستشار زغلول البلشي، الأمين العام للجنة العليا للانتخابات، أنه لن يقبل المشاركة في أي تزوير فقد قلل من أهمية اعتذار زملائه من قضاة مجلس الدولة عن الإشراف على المرحلة الثانية من الاستفتاء، وبجملة فيها تقليل لخطوتهم أضاف: أن لديه "احتياطي 4 آلاف قاضي من القضاء العادي والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة". وكان بيان نادي قضاة مجلس الدولة حول مقاطعة الاستفتاء قد صدر متهما الرئيس بأنه "أخلف وعده" فيما يتعلق باستقلال القضاء.
على النقيض، قال المستشار حاتم بجاتو، عضو المحكمة الدستورية، إن ما ذكره عصام الحداد، مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، بشأن تورط المحكمة في مؤامرات ضد الرئاسة ومؤسسات الشعب غير حقيقي ومحض افتراءات ولا يوجد عليه أي دليل، وتوعد برد عنيف وطالب مرسي بالاعتذار.
كان أعضاء النيابة العامة قد اعتصموا أمام دار القضاء العالي لحين رحيل طلعت عبد الله النائب العام الذي عينه مرسي، ورغم فشل اجتماع الوفد الممثل لهم بالنائب العام فقد انتهى اليوم بتقديمه الاستقالة لكنه عاد عنها !. وبدأ التلاسن من فصيل موالي لمرسي هو "جبهة المحامين للدفاع عن السلطة القضائية" إذ اتهموا المعتصمين بأنهم "أبناء قضاة ومستشارين" وأوردوا قائمة بأسمائهم الثلاثية، ومعروف أن تعيين نسبة من أبناء القضاة تقليد لم يكن يلقى معارضة من داخل البيت من قبل، لكنه أصبح سبة الآن على لسان الزملاء المتناحرين.

هل ما زال رمزا؟

بصعوبة تمكن المستشار ماهر البحيري، رئيس المحكمة الدستورية العليا، الثلاثاء من الدخول لمقر المحكمة، بعدما ابتعد المعتصمون من أنصار الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين قليلا عن البابين الرئيسي والجانبي للمحكمة. فيما هدد المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، بأنه إذا لم يتم فك حصار المحكمة الدستورية العليا خلال الـ 24 ساعة المقبلة، وتعقد جلساتها وتصدر ما تشاء من أحكام فستواجه الدولة ما سماه بـ "غضبة قضاة مصر".
بات القضاة إذن لاعبين ضمن المعارك السياسية في مصر، صاروا كشخصيات محسوبين على طرف أو آخر، وصنفوا كموالين ومعارضين، وباتت تصريحاتهم "وتهديداتهم أو التماساتهم" تنتقص أحيانا ليس من قائليها بل من الهيبة المفترضة للمؤسسة أو السلطة التي يمثلونها، بالأخص في الفضائيات التي أصبحوا ضيوفا في برامجها الحوارية الموجهة للعامة، والإعلام قد يصنع نجوما لكنه يقلل من الهالة التي أحيطت بفئات بالمجتمع.
وقد وصل الأمر برئيس لجنة وضع الدستور، حسام الغرياني، وهو قاضٍ أيضا أن يتهكم على المحكمة الدستورية، الغرياني الذي أصدر ومحمود مكي (نائب الرئيس الآن) حكما العام 2004 ببطلان نتائج انتخابات نيابية للعام 2000 وكان السبب الذي أعلنوه هو عدم صحة إشراف بعض الهيئات على الانتخابات
واعتبرا أن المقصود بشرط الإشراف القضائي على الانتخابات هم "القضاة المنوط بهم الفصل في المنازعات"، الآن أصبح الاثنان الغرياني ومكي جزء من السلطة، وكلاهما ذو ميول إسلامية،وقد دافعا عن إشراف موظفين وهيئات غير القضاة على الاستفتاء على الدستور، وقد أضر تبديل رأيهما بصورة القضاء وما روج عن "استقلالية ونزاهة" أفراده.
الغرياني الذي يرأس أيضا مجلس حقوق الإنسان اتهم بالتحيز عندما أصدر مجلسه تصاريح مراقبة الاستفتاء لأعضاء الحزب الحاكم ومواليهم. وكانت أهم الانتقادات التي رفعتها المنظمات الحقوقية في الجولة الأولى من الاستفتاء تشير باصبع الاتهام للقضاء: عدم توافر الإشراف القضائي الكامل. وما وصفوه بأنه "انتحال صفة قاضى في عدد من اللجان" المفردات قاسية لكنها قانونيا صحيحة.
والحال هكذا، تجرأ الكثيرون على القضاء، لحد أن ندد خالد الشريف المستشار الإعلامي لحزب "البناء والتنمية" -الذراع السياسي للجماعة الإسلامية التي انتهجت العنف والإرهاب في التسعينات - بتظاهرات أعضاء النيابة العامة لإجبار النائب العام على الاستقالة بعدما أخفق في تلبية مطالبهم للإشراف على الاستفتاء.
بل وصف ما فعلوه بأنه "انغماس في السياسة باستخدام أساليب الضغط والترهيب لمناصرة فريق معادي لرئيس الجمهورية"! الطريف أن "الشريف" طالب المجلس الأعلى للقضاء بثورة تصحيح داخل القضاء انتصارا للعدالة ودولة القانون ولإبعاد القضاة ووكلاء النيابة عن السياسة ولإلزامهم بأداء وظائفهم في العمل بالمحاكم والنيابات والإشراف على الاستفتاء بدلا من تخليهم عن واجبهم ووظيفتهم.

إحلال الأدوار

نقلت الصحف رد المستشار ماهر سامي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، على بيان أرسلته الرئاسة للإعلام الأجنبي باللغة الانجليزية، وادعت فيه انه تم حل مجلس الشعب من قبل المحكمة الدستورية "بطريقة مريبة" واتهم الرجل بيان الرئاسة بأنه يهدف "لتقويض سمعة المحكمة الدستورية دوليا، والتشهير بها وفضحها عالميا."
ومضى رد المحكمة في توجيه رسالة لاذعة لمؤسسة الرئاسة كأنه يعطي درسا لطالب محدود الذكاء، بأنه كان "يتوجب على مساعد الرئيس، تصونا للموقع الوظيفي الذي يشغله بمؤسسة الرئاسة، ألا ينزلق إلى تلطيخ سمعة القضاء المصري أمام الإعلام الأجنبي، ويتنزه عن إلصاق الاتهامات جزافاً وافتراء بالقضاة الوطنيين الشرفاء الذين ينتسبون للمحكمة الدستورية العليا، بعلوّ قامتها وسموّ رسالتها، والتي يعرف الشعب قدرها ومكانتها بما أنجزته وسطرته من أحكام تحمى بها حقوقه وحرياته على مدى أكثر من أربعين عاماً، وكان على مساعد الرئيس أن يتعفف عن إهانة هذه السلطة القضائية على مرأى ومسمع من الإعلام الأجنبي".
ويبدو أن المعركة ستستمر بين القضاة وغيرهم، وداخل بيتهم أيضا، وقد وصل الضجيج للخارج، ليس فقط في رسالة الرئاسة للإعلام الأجنبي ضد المحكمة الدستورية، بل أيضا في قرار أخير لسويسرا بعدم اطلاع الجانب المصري على حسابات الرئيس المخلوع البنكية بسبب عدم استقرار الأوضاع في القاهرة ومنها ضمنا الصراع بين السلطتين القضائية والتنفيذية(حسبما نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط)!
وليس من صالح أحد في مصر أن يتخذ كل طرف من القضاء أو من بعض أفراده أداة في معارك سياسية، ولن يخدم الرئاسة معاداة فصيل من القضاة أو تجذير الشقاق داخل هذه السلطة، ولن يشرّف القضاة المستقلين الذين أصبحوا موالين ابتذال تاريخهم والتنصل مما تعلموه وعلموه، ولن يضيف لقضاة ما بعد ثورة 25 يناير شيئاً أن يقوموا بدور ليسوا مؤهلين له ولا مطالبين به، ولا يليق بهم الاشتراك في المعارك التي تشهدها مصر الآن وبعضها فارغ المحتوى ومفتعل بوضوح، القضاة مطالبون بدورهم الأساسي حماة للعدالة معصوبي الأعين دون ميل لهذا الطرف أو ذاك. أبعدوهم عن السياسة، فمثلما هي ليست للعسكر ؛ فلا تجوز للقضاة.

S C