الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

عددهم لا يتجاوز السبعين..يهود مصر مادة لخلافات النخبة

عددهم لا يتجاوز السبعين..يهود مصر مادة لخلافات النخبة
../ القاهرة من أميرة الطحاوي - ارشيف 2007
أحيل للتحقيق مطرب أوبرالي وأستاذ بالكونسرفتوار شارك بالغناء في افتتاح المعبد اليهودي بالقاهرة بعد تجديده، فيما تواصلت للشهر الثاني معارك بين مثقفين وكتاب مصريين في صحف ومنديات إليكترونية على خلفية الحديث عن "يهود مصر" الذين تقدر أعدادهم بنحو 74 فردا غالبهم من السيدات المسنات بعد أن كان العدد ثمانين ألفا في أربعينات القرن الماضي، فيما طالب نائب عن الإخوان المسلمين بإيقاف الزيارة لضريح يهودي بالدلتا فيما اعتبر عالم أزهري أن زواج المسلم بيهودية "حرام".
وكانت هجمة في صحف المعارضة قد نالت مطرب الأوبرا المعروف جابر البلتاجي الذي اختار أغنية للشاعر المصري الراحل صلاح جاهين بعنوان "بحب السلام" ليقدم بها الفقرة الافتتاحية في حفل أقيم نهاية أكتوبر الماضي في المعبد اليهودي بشارع عدلي بوسط العاصمة المصرية، وحضره السفيران الأميركي والإسرائيلي بالقاهرة،  وغنى البلتاجي الأغنية مترجمة إلى العبرية وهو ما اعتبرته عائلة الشاعر الراحل أمرا غير مقبول وقال نجل جاهين إنه سيقاضي المطرب، وارتبط اسم جاهين بالعديد من الأغنيات ذائعة الصيت في الحقبة الناصرية ومجدت غالبها الحرب ضد إسرائيل لاستعادة الأراضي العربية التي احتلتها.
jaber-biltaji.jpg
جابر البلتاجي
وعلق منير الوسيمي نقيب الموسيقيين علي غناء البلتاجي بأنه "لا يمكن لأستاذ في أكاديمية الفنون التابعة لوزارة ترفض التطبيع أن يغني في افتتاح المعبد اليهودي بالقاهرة".مضيفاً أن النقابة ستقوم بالتحقيق معه بصفته عضوا بها.
وفي رده على هذه الانتقادات قال الدكتور جابر البلتاجي، مغني الأوبرا الحائز على نجمة البولشوي، أنه غني لليهود وليس للإسرائيليين ورأى أن أغنيته هي دعوة لنبذ التعصب ونشر السلام بين الشعوب والديانات "لم أغن لليهود بل للسلام، واليهود أصحاب ديانة" واعتبر أن التطبيع هو سياسة الدولة المصرية اقتصاديا وسياسيا، وما قامت به الأوبرا من إصدار بيان ضده هو "مجاملة" للوزير الثقافة الحالي فاروق حسني.
وأعلن فاروق حسني سابقا أنه فخور بهجوم الصحف الإسرائيلية ضد ترشيحه كأمين عام لليونسكو على خلفية رفضه الدائم لمشاركة إسرائيل في نشاطات ترعاه وزارته بمصر.
وكانت الوفد الليبرالية هي الأكثر هجوما على البلتاجي بمقال بعنوان بارز هو "بعد إعلانه أنه مستعد للغناء في تل أبيب .. انتحار جابر البلتاجي بعد أن قتل صلاح جاهين"
وتساءلت كاتبة المقال حنان أبوالضياء "هل هذا انتحار فنان حاول خلال سنوات عمره أن يعرفه الناس ففشل فقرر هدم المعبد علي رأسه وعلي رأس كل المصريين. أم أن اليأس يدفع صاحبه لعدم القدرة علي التمييز بين الفعل الفالح والطالح"
لكن كتابا مقربين من النظام دافعا عن مشاركة البلتاجي مثل د. عبدالمنعم سعيد رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام وعضو لجنة السياسيات بالحزب الوطني الحاكم ومفيد فوزي الإعلامي المعروف، واعتبرا أن الحدث حمل أكثر من حجمه بسبب مناخ عام مستاء من الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين.
وفي حوار مع إذاعة هولندا الدولية يقول سعيد عكاشة الباحث في الشئون الإسرائيلية أن اليهود الباقين في مصر هم مواطنون مصريون من حقهم ممارسة شعائرهم الدينية ومن حق كل مصري مشاركتهم فرحتهم باحتفال ديني يخصهم، ولا ضرر في أن يقام الاحتفال في كنيس للصلاة لديهم"المعبد مثل المسجد، وغناء البلتاجي بالعبرية ليس له دلالة سياسية فالعبرية لغة صلاة وتعبد في الأصل، تماما مثل القبطية لدى المسيحيين الأرثوذكس"
temple.egypt.jpg
معبد يهودي في القاهرة
على صعيد ذي صلة، هاجمت مقالات في الصحف الفيلم المصري "سلطة بلدي" للمخرجة نادية كامل، واتهمها البعض بالترويج للتطبيع مع إسرائيل، وتم إحالتها للتحقيق بنقابة المهن السينمائية مع وقف عضويتها، ويدور الفيلم حول "ماري" جدة المخرجة وهي مسيحية إيطالية من أم يهودية، تزوجت من مصري وانتظم كلاهما في الحركة الشيوعية، انتقل أقاربها اليهود للحياة في إسرائيل العام 1946 عندما كانت تحت الانتداب البريطاني، وتنقل كاميرا الفيلم رحلة الجدة لإسرائيل للتعرف على من تبقى أقاربها هناك، واعتبر البعض أن الفيلم يصور يهود مصر في تلك الفترة باعتبارهم أرغموا على الخروج منها، ويطالب بعض اليهود المصريين بتعويضات عما صودر من أملاكهم بعد خروجهم من مصر خاصة أنهم كانوا في الستينات يوقعون على وثيقة بعدم العودة.
وقبل ثلاثة أعوام صدر كتاب بعنوان "يهود مصر من الازدهار إلى الشتات" لمؤلفه الطبيب المعروف محمد أبو الغار وهو شخصية عامة ناشطة في حركات تطالب بمزيد من الحرية السياسية بمصر، ونفذت الطبعة الأولى من الكتاب(نحو 4آلاف نسخة) في أقل من شهر، وعرض المؤلف لشهادات من يهود مصريين أجمع كثير منهم أن حياتهم في مصر كانت مستقرة ولم تشهد تمييزا دينيا أو مجتمعيا ضدهم، ولمح المؤلف أن هروب الآلاف منهم كان رد فعل على سياسة عامة للنظام المصري الحاكم وقتها للتضييق على إقامة الأجانب وأصحاب رؤوس الأموال الخاصة.
وانشغلت المواقع الإليكترونية وبعض الصحف في الفترة الماضية أيضا بالهجوم على الأكاديمية نوني درويش والتي كان والدها "مصطفى حافظ"  أحد قيادات الفدائيين في حرب السويس 1956 بين مصر وإسرائيل وانجلترا وفرنسا، وتتبني درويش حاليا دعوة للتطبيع بين المصريين والإسرائيليين وتعتبر أن يهود مصر ألحق بهم ظلم كبير في فترة المد القومي بالستينات. ودرويش هي مؤلفة كتاب "الآن يدعونني بالكافرة: لماذا رفضت الجهاد لأمريكا وإسرائيل والحرب على الإرهاب" Now they Call Me Infidel; Why I Renounced Jihad for America, Israel and the War on Terror.
وهي أيضاً مؤسسة جمعية عرب لإسرائيل. وتقول أن موت أبيها "يعود إلى الحضارة الإسلامية في الشرق الأوسط والى حملة إعلان الكراهية الذي يتم تعليمه للأطفال منذ الطفولة".و أن مهمتها هي أن "تحث على الصلح، والقبول والفهم" بين الإسرائيليين والعرب.
أسس والدها تنظيم "الفدائيين" الذين شنوا حملات فدائية ضد الحدود الجنوبية للدولة العبرية الناشئة، وكان ذلك بين عامي 1951 و1956، وتم قتل حوالي 400 جندي إسرائيلي. في يوليو 1956 عندما كانت نوني في الثامنة اغتيل والدها من قبل إسرائيليين، ووعد رئيس مصر وقتها عبد الناصر خلال خطابه لإعلان تأميم قناة السويس، أن كل مصر سوف تأخذ من الثأر انتقاما لموت حافظ. وسأل ناصر نوني وإخوتها "من منكم سوف ينتقم لموت أباكم ؟"
وليست فقط نوني هي التي كانت محل هجوم النخبة المصرية مؤخرا، فقد هاجمت أقلام أخرى وبالأخص منتدى التقدم على الإنترنت (وهو معبر عن تيار بين اليسار المصري) استضافة الجامعة الأمريكية بالقاهرة لأكاديميين إسرائيليين وغربيين يهود باعتبار بعضهم "صهاينة" معارضين لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة.
كما شنت أقلام حملة ضد جريدة "البديل" اليسارية التي بدأ صدروها في يوليو الماضي؛ حيث أفردت الجريدة مساحة للعالم الإسرائيلي "جويل بنين" وحاورته حول قضايا مصرية معاصرة ومنها الحركة العمالية التي نشطت في مصر العامين الماضيين، وهاجمت أقلام أقرب للتوجه القومي سياسة الجريدة كونها "أتاحت صفحاتها لصهاينة ويهود" وكان بنين قد هاجم بدوره كتابا مصريين معتبرا أنهم معادين للسامية، ومنهم مؤرخين وعلماء في الصحافة مثل رءوف عباس وعواطف عبد الرحمن وسهام نصار وعلي شلش ورفعت سيد أحمد، وكلهم معارضون للتطبيع العلمي مع إسرائيل.
jews-book-egypt.jpg
"شتات اليهود المصريين " الصادر عن دار الشروق
كما هاجم البعض كتاباً صدر حديثا لبنين عن دار الشروق ثاني أكبر دور النشر المصرية بعنوان "شتات اليهود المصريين " واعتبروه يلمح لكون اليهود أجبروا على الخروج من مصر بطريقة أو أخرى في الحقبة الناصرية خاصة الذين حملوا جنسيات أجنبية أو الذين لم يحصلوا على الجنسية المصرية حيث كان يتمتع هؤلاء بمزايا الأجانب خاصة في التعاملات القضائية.
ويرى عكاشة أن هجوم البعض على أكاديمي معروف مثل بنين غير موضوعي "نحن من أكثر الشعوب في العالم العرب معاناة من كون الآخرين لا يحترموا ثقافتنا، فلماذا نحاكم الناس على أساس انتمائهم الديني"
واعتبر عكاشة أن الكثير من الباحثين غير مطلعين على وجهة النظر الأخرى في الصراع العربي الإسرائيلي وينقصهم قراءة المنتج الأكاديمي الإسرائيلي في هذا الصدد، وهو ما سيؤهلهم لتفنيد ما يرونه مغايرا للحقيقة على أسس علمية. ورأى أن الهجوم على أطروحات بنين بما فيها آراؤه حول الحركة العمالية المصرية – حيث يمتلك خبرة علمية كبيرة في هذا الموضوع- ناتجة من حساسية لا مبرر لها ضد شخص يدين باليهودية ويحمل جنسية إسرائيل، وأن هذه الأسباب لا يجب أن يكون لها مكان في الحكم على ما يقدمه من منتج علمي وأفكار.
ونشرت "البديل" عرضا لرواية لمؤلفة أمريكية من أصل مصري Lucette Lagnado بعنوان "رجل في بدلة شركسية بيضاء The Man in the White Sharkskin Suit: My Family’s Exodus from Old Cairo to the New World" قصت فيه ذكريات إجبارها وعائلتها اليهودية على مغادرة مصر في أوائل الستينات.
ويعلق عكاشة على هذه الرواية بأن ما يرد من معلومات في عمل أدبي ليس بالضرورة ملزما من الناحية التاريخية، وأن عددا قليلا ممن هاجر من اليهود المصريين -ربما أقل من الثلث- قد وصل لإسرائيل وأن كثيرا منهم لم يتأقلم مع الحياة هناك، مستبعدا عودة هؤلاء لمصر رغم السلام مع إسرائيل في عهد الرئيس الراحل أنور السادات(1970-1981) خاصة بالنسبة للجيل الثاني منهم الذي بالكاد يذكر مصر من حديث الكبار عنها.
وتدير رئيسة الطائفة اليهودية موقعا إليكترونيا BASSATINE NEWS اسمه بساتين نسبة لمنطقة البساتين بمنطقة مصر القديمة حيث مقابر اليهود، ويهتم الموقع بالتراث التاريخي والمزارات اليهودية بمصر، وكانت مصر هي الوطن الأول الذي نشأت فيه اليهودية، ونزلت الوصايا العشر بشبه جزيرة سيناء. ولا تشغل مسألة اليهود المصريين كثيراً المواطنين هنا المهتمين بقضايا ارتفاع الأسعار والبطالة.
ويوجد مولد يتخذ من مرقد ليهودي يدعى "أبو حصيرة" بمحافظة البحيرة بالدلتا، لكن الكثير من الصحف المعارضة تطالب بوقف زيارة الإسرائيليين لهذا المكان قائلين بحدوث تجاوزات أخلاقية واحتساء للخمور أثناء المولد، وفي 5 يناير 2004م، صدر حكم المحكمة الإدارية العليا النهائي بإلغاء الاحتفال بالمولد لكن ذلك لم ينفذ.
وطالب الأسبوع الماضي زكريا الجنايني النائب عن كتلة الإخوان المسلمين(20% من مقاعد البرلمان) في بيان عاجل تقدم به لرئيس الوزراء ووزير الحكم المحلي بإجراء استفتاء شعبي لمنع إقامة المولد.
وتقول معلومات أن أبا حصيرة من أحبار اليهود واسمه يعقوب أبو حصيرة وجاء إلي مصر مسافرا من المغرب وكان يحمل معه حصيرة هي كل ما لديه من متاع فسماه المصريون أبو حصيرة ودفن في قرية دمتيوه علي طريق شبراخيت.
وقبل يومين أكد الشيخ فرحات المنجي أحد كبار علماء الأزهر، أن زواج المسلمين من اليهوديات حرام شرعا، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، خاصة في الوقت الذي تحتل فيه إسرائيل الأراضي الفلسطينية والقدس الشريف.
وحول عدد اليهود بمصر حالياً يقول عكاشة أن العدد يتراوح بين 60-100 شخص وغالبهم من كبار بالسن، وهذا الرقم مصدره رئيسة الطائفة كارمن وينشتين، وأن السلطات المصرية ليس لديها إحصائية محددة ، وربما كان هناك أعداد قليلة غير مسجلة.
وتلتقي كتابات كثيرة على كون اليهود المصريين في القرن الفائت كانوا في وضع مميز نسبة لإتقانهم لغات أجنبية وتمتعهم بتعليم مميز، كما شارك بعضهم في حزب الوفد الليبرالي المؤيد لمطالب الاستقلال المصري من الاحتلال البريطاني، ووصل بعضهم لمناصب وزير، فيما شارك عدد ملحوظ منهم في الحركة الشيوعية بالبلاد، وزار أول رئيس للجمهورية المصرية محمد نجيب(1952-1954) المعبد اليهودي والتقى غير مرة بحاخام اليهود

S C