Pages

الاثنين، 22 مارس 2010

وزراء وليسوا خدما وحشما: مبارك يواصل استهانته بالدستور حتي في مرضه الأخير

يري محامون مختصون بقضايا المعتقلين في مصر أنه لو تم تطبيق "حقيقي" لقانون الطواريء لكان الوضع أفضل وأرحم؛ فهناك الكثير من بنود القانون (الذي هو وقتي بالتعريف ولا يعد التأبيد هو الاصل فيه بالطبع) ما يعطي للمعتقل ومن ينوب عنه من ذويه ومحاميه حقوقا تشمل الاعلان عن مكان وظروف الاعتقال، ورعاية المعتقل صحيا - وليس تعذيبه منهجيا!، ومخاطبة السلطات في اي اساءة يتعرض المعتقل لها وتصل لمقاضاة من قام باعتقاله تعسفيا.
طبعا لا شيء ينفذ، وليس بعيدا عنا وفاة واختفاء العشرات من المعتقلين دون حتى أن نعرف: من قام بهذا: بصيغة أخرى: دون أن نعرف من قتلهم ليتم مقاضاته وفقا لالف باء اي قانون بدائي.
النظام الرئاسي في مصر لا يختلف كثيرا في هذا، حيث ينتقي الرئيس بنفسه ما يحلو له من صلاحيات ليصيغها كقوانين نافذة بحكم ما لحزبه من أغلبية بالبرلمان، ثم يوسع سلطات منصب الرئيس بما لا مثيل له فيما اصطلح علي تسميته بـ "اعتى الدول الرئاسية" رغم انه لا توجد دولة رئاسية لا تتحرى التوازن أو الرقابة المتبادلة بين السلطات؛ بحيث تكبح احداها الاخرى اذا ما جنحت للهيمنة- Checks and Balances، لكن الأمور وصلت هنا لدرجة غير مسبوقة من الفجاجة في الاستهانة بالدستور مع مرض الرئيس الأخير؛ فليس هناك بند تشريعي مثلا  يسمح لوزير الصحة- وهو بالصدفة طبيب- ان يترك البلاد والعباد ليرافق- خلسة في البداية-  الرئيس بألمانيا . ثم بعد عشرة ايام تقريبا يسافر الوزير - من بره بره- للولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة علاج زوجته هو- زوجة الوزير !. 
لا يوجد بند يقول ان وزير الصحة يسافر ليعمل بنفسه مترجما فوريا لبيان من ٣ او ٤ جمل تخص الرئيس، والمصيبة انه اخطأ مرة في ترجمة كلمة ليخلق مزيدا من البلبلة، وفي مرة أخرى غيّر واضاف لما قيل من جمل عادية بسيطة عن تطور حالة الرئيس، حيث عرفنا من هذه البيانات الهامة ان رئيسنا المفدى يتنفس ويتحرك ويأكل الزبادي والعسل ويحتفظ بروح الدعابة ( لم يزل بعد يلقي النكات والقفشات فلا تخافوا) 
الوزير في "أعتي النظم الرئاسية" هو سكرتير للدولة ومكلف مباشرة من الرئيس ومسؤول أمامه، لكنه لا يعمل مرافقا للرئيس ولا سكرتيرا شخصيا له. 
ونحن ايضا لا نعلم من تحمل اقامة وسفر عائلة الرئيس كلها تقريبا معه .. وتحت اي بند؟ وكم تكلفت اقامتهم تحديدا؟( هل يتم تدوينهم كمصاريف خاصة، جلالتك؟)
أما الاسخف فهو الخبر الذي اتحفتنا به الجمهورية – اكثر الجرائد المصرية التزاما بالتعليمات الحكومية الموجهة لها ولغيرها من الصحف القومية- عندما نشرت اليوم انه انطلقت من مطار القاهرة الطائرة الرئاسية التي ستقل الرئيس عند عودته للبلاد في جولات تدريبة. وأن من يقوم بالاشراف على هذه المهمة وزير الطيران احمد شفيق بنفسه.والذي قام ايضا بتفقد "أرض المهبط بجوار استراحة الرئاسة ومشاهدة السلالم المتحركة لطائرة الرئاسة"
هؤلاء الوزراء ليسوا خدما وحشما عند مبارك يتبعونه اينما ذهب، ويحضرون له لوازم العودة. هؤلاء موظفون عموميون في الادارة المدنية بالبلاد . مسؤلون وقابلون للمساءلة . لديهم مهام يومية هنا عليهم الاضطلاع بها.انهم خدم لنا نحن. ومكانهم هنا؛ حيث نوجد نحن المواطنين.
المزعج ايضا ان الطريقة التي تم بها اذلال نصوص القوانين الدستورية في الايام الاخيرة وصلت لحد خطير دون ان يحاول احد من المحسوبين علي النظام تدارك الامر او تجميله ، بالأخص عند قيام مبارك بتفويض – وليس نقل – سلطاته الى رئيس الوزراء، وهو اتجاه بدأ منذ ٢٠٠٤ في رحلة علاجية أخري قام بها مبارك لألمانيا، وتحول فيما بعد لبند اضافي في الدستور للالتفاف على نص صريح يحدد ان من ينوب عن الرئيس اذا لم يتمكن من القيام بمهامه او خلا منصبه ثلاثة: اولهم نائبه- الذي لم يكن له وجود أبدا- يليه رئيس الغرفة الادني بالبرلمان ثم رئيس المحكمة الدستورية. لكن أن يعلن هذا التفويض بقرار جمهوري ثم نفاجأ بمبارك وقد عاد عنه دون اعلان عندما اتخذ بعض القرارات ووقع لي بعض الاتفاقيات – باستثناء اشارة بها قدر من الاجتهاد من جريدة الاهرام في عدد ١٩ مارس الجاري، عندما قالت:استأنف الرئيس حسني مبارك أمس (من مستشفي هايدلبرج الجامعي في ألمانيا) ممارسة مسئولياته لشئون الدولة بعد تماثله للشفاء. 
والمفترض أن يكون رئيس الوزراء المصري قد سافر الي السودان أمس الأحد لحضور الاجتماعات المشتركة بين البلدين، كيفما اعلن قبل ٥ ايام ، لكنه لم يفعل، و بدلا من ذلك شاهدنا صوره امس وهو يستقبل شيخ الازهر الجديد.
لم يسافر اذن فمبارك- الذي طالت به رحلة العلاج - يرفض باصرار تطبيق بند دستوري يعطي لرئيس مجلس تشريعي او قضائي على التوالي مهام منصب الرئيس خلال مرضه، اما عودة مبارك لممارسة مهامه فلا يعني انتهاء تفويضه لنظيف فهو اشراك له في ممارسة مهام رئيس البلاد دون نقلها له. انه يريد ان يبقى الامر "بين بين ". ويريد بأي شكل ان يلتف علي الدستور متمسكا وبكل قوة- حتي في مرضه الأخير-  بما يظن انه حق له وحده..أليس هو "الرئيس"؟.
 بص وراك كويس يا ريس - الأهرام 21-12-2009