Pages

الأحد، 14 مارس 2010

حلبجة جديدة على الطريقة السودانية

حزينة وغاضبة، لكن لا بأس...أفضل الأعمال تبدأ غالباً وسط هذه المشاعر، كما لا يليق بكل ما حولنا من ظلم سوى هذا الاحساس (على الأقل!).
جمعني قبل أيام في قناة الحرة نقاش ساهمت للأسف في دعوة ضيوفه والاعلان عنه، أدير - كيفما أتفق- بحس يميني أحادي في فهم قضية دارفور وطرح حل "طريف ظريف"  لهذه القضية، و التي بت متيقنة أن هؤلاء بمن فيهم بعض الموصوفين  بالحقوقيين -بحكم المهنة لا أكثر- يضرون بقضية دارفور الآن أكثر مما يفعلون لو التزموا  الصمت. بمناسبة "الآن" هنا مقال قديم في يونيو 2003 عندما بدأت الأخبار تظهر على خجل عن شيء ما يحدث في دارفور ذكرني بمأساة حلبجة والتي تحل ذكراها اليوم! نعم في مثل هذا اليوم عام 1988 قتل مدنيون ابرياء بالغازات الكيماوية في كردستان العراق !. ويغضبني انني أنهيت المقال وقتها في سذاجة بـ" أخيرا إذا صح الخبر ، ولم يتحرك أحد فلن يصح القول بأن جراح الضحايا فم ... تظل عن الثأر تستفهم" يبدو أن جراح الضحايا سننتظر طويلا  فلا عدل ولا قصاص بعد لضحايا دارفور .. وعلى الأقل حتى لا ننسى:على كل شهداء القهر والظلم السلام.
حلبجة جديدة على الطريقة السودانية : إتهام لحكومة الخرطوم بإستخدام أسلحة بيولوجية - 6- 2003 - : 1
أميرة الطحاوي
( 1 )
عندما حدثت حلبجة " الكردية" ، لم يكترث بها الكثيرون حتى حرب الخليج الثانية ، البعض اعتبرها ببرود شأنا داخليا ، والبعض فسرها بصفاقة بأنها عقاب عادل لمساندة الأكراد لإيران في حربها مع العراق – ولم يفسر لنا هؤلاء كيف ساهم النسوة ولأطفال أيضا في هذه الحرب حتى يستحقوا هذه الميتة البشعة ، وقبل أعوام التقيت السيدة هيروخان ابراهيم ، مديرة تلفزيون خاك بالسليمانية وحكت لي كيف أنها صورت لساعات متصلة شهادات ودلائل على هذه الجريمة معتمدة في ذلك على كاميرا " متخلفة " نوعا ما وفي ظروف صعبة ، ومع ذلك لم يتحرك في حينها أي ممن قابلتهم بعواصم " أوربية " ، بل وشكك البعض بالأمر ، أوقال أن جودة الفيلم لا تسمح بالتيقن مما جاء فيه !! ، كان هذا هوالموقف الغالب في تناول جريمة مثل حلبجة ، عربيا وغربيا ، مصالح هؤلاء مع نظام صدام – صنيعتهم أوخادمهم أو مساندهم إقليميا ودوليا - حتمت الصمت أو الاعتراض المهذب بينما استمرت العلاقات السياسية والاقتصادية مع النظام الكيماوي ، الذي انتشى بدوره واستدار لينفذ جريمة أخرى هي الأنفال وهلم جرا ، بل ودخلت دول معه في تحالفات وعلاقات وروابط بعد قليل من حلبجة ، بقت حلبجة "كردية" رغم أنها جريمة في حق الإنسانية كلها ، ولكن صمت البشر عنها أبقاها كردية إلى حين ، هكذا استمر الصمت العربي والغربي حتى غزو صدام للكويت ، حيث بدأت وسائل الإعلام في النبش عن جرائم لصدام حسين ونظامه في محاولة لتكتيل الرأي العام ضده أو بالأحرى لتهيئة المواطنين في أكثر من ثلاثين دولة لحرب تحرير للكويت وتكسيح جزئي للعراق وبالطبع لم تنل من صدام شيئا ، فصواريخ التحالف سقطت على جسور العراق ومدن العراق وأهل العراق ولكنها لم تقترب من حاكم العراق فاستمر في جرائم مشابهة ومنها على سبيل المثال لا الحصر القتل الجماعي الذي مارسه بلا تمييز على مواطنيه في أعقاب انتفاضة آذار التي خذلها الجميع ، لم يكتف بما لحق بهم في حرب التحالف وقبلها حرب ايران ، واصل صدام جرائمه ربما بوتيرة أقل في السنوات العشر الماضية لكن كل الأطفال الذين ماتوا في حلبجة مفتوحي الأعين شاهدوها ، وكل من صمت على حلبجة وما سبقها مشارك بلا جدال فيما لحقها .. لدي صورة لطفل ربما في الثالثة ( أو هكذا بدا بعد أن امتص جسده الغازات الكيماوية ) يرتدي سترة زرقاء واسعة مهلهلة ، مات مفتوح العين ، لم أنظر لها كثيرا منذ حصلت عليها ، فالصورة عابقة بذهني ، وسأهديها دون بصقة أو لكمة لمن يدافع عن صدام واكتفي بهذا عقابا ...
( 2 )
أمس ونقلا عن وكالة الأنباء الفرنسية على لسان ماني اركوي ميناوي السكرتير العام لحركة تحرير السودان المعارضة في ولايات دارفور الثلاث – غرب السودان ، قال الرجل إن نظام البشير استخدم الغازات السامة والأسلحة البيولوجية ضد سكان دارفور ، وأن قواته "عثرت في شمال دارفور على قطعتي سلاح بيولوجي ومنشور (صادر عن الحكومة) يوضح طريقة استخدامها مضيفا أنها أسلحة روسية الصنع دخلت (السودان) من العراق " ، وأن قرية من 72 منزلا غرب الفاشر أحرقت كليا بهذه الأسلحة ( وبيوت السودانين في مثل هذه المناطق كثيرة القاطنين بها ونوافذها وأسطحها غير مؤهلة للحماية من المطر أو الرياح ، وبالطبع ليست مؤهلة لصد ما عدا ذلك ) وقد تلقت حركته معلومات عن أسلحة بيولوجية أخرى وصلت أمس إلى الفاشر (عاصمة دارفور وهي بالمناسبة مدينة كان من المتوقع أن تصبح مزارا سياحيا !! ) حيث يوجد الخبير الحكومي زبير بشير طه للإشراف على عملية التدريب على استخدام هذه الأسلحة .. ، وصلني أيضا بيان من رابطة أبناء غرب السودان في الخارج تدعو فيه كل السودانيين للعمل على إصلاح مشكلات الوطن المتراكمة نتيجة لتسلط الأنظمة القمعية المتخلفة ، وخاصة السياسات التي انتهجتها حكومة الإنقاذ الحالية في المناطق المهمشة واعتماد مبدأ الانحياز لزرع الفتن والخلافات بين أبناء المنطقة ، وتأليب النعرات القبلية والعرقية وتوجيه الدعم المباشر لقبائل دون الأخرى والتلاعب بوتر الدين كوسيلة انتهازية لجلب تعاطف أبناء الغرب مع دعواتها المضللة .. ودعوا أيضا كل أبناء غرب السودان في القوات المسلحة إلى عدم المشاركة في إبادة أهلهم من المواطنين الأبرياء ، بالطبع لم يتصور أحد أن الابادة ستشمل ايضا استخدام الأسلحة البيولوجية ، ولا أحد يتصور أن حلبجة أخرى مصغرة ستتم بعد 15 عاما .
( 3 )
استمعت هذا الصباح إلى مراسل هيئة الإذاعة البريطانية من الخرطوم كمال حامد – المحلل الرياضي سابقا ، لم يذكر شيئا في تقريره للإذاعة عن حلبجة السودانية ، ولاحظت أيضا أن اتصال سكرتير حركة تحرير السودان بدارفور جرى مع وكالة الأنباء الفرنسية بالقاهرة وليس مكتبها بالخرطوم أو أي مقر لوكالة أنباء أخرى هناك .. ليس بوسع أحد تبني الخبر أو نفيه ، فقط على لجنة حقوق الإنسان العربية المنبثقة عن الجامعة " العربية أيضا " أن تحقق في الأمر ، فتنفيه أو تثبته ، ولا تنتظر عقدا ونصف العقد حتى ترسل محققيها للسودان بعد سقوط نظام البشير ، وهو بالمناسبة ليس بالأمر المستبعد فالسودان على علمي هو الدولة العربية الوحيدة التي شهد ثورة شعبية ديموقراطية وانتفاضتين شعبيتين في أقل من ربع قرن .. البعض يرى أن النظم الديكتاتورية تستخدم مثل هذه الأساليب بين حين وآخر ، واضعة الحركات المسلحة المعارضة لها في حرج أمام مواطنيها البسطاء ، وأحيانا تتهم الحكومات من تصفهم بالمتمردين بتدبير هذه الأمور ، وأحيانا يتورط بعض المعارضين بالفعل في أحداث مشابهة وإن كانت أقل وطأة من تدمير قرية كاملة من سبعين بيتا بسلاح محرم دوليا ، وغني عن الذكر أنه من قتل نفسا بغير حق فقد قتل الناس أجمعين .. ، ولكن تكاتف نشطاء حقوق الانسان والأقلام الشريفة بوسعه كشف الجاني الحقيقي .. وآمل ألا يترك البعض الخبر الأصلي ويتفرغ " فقط" لمعلومة ذكرت به على سبيل الاستنتاج وهو أن الأسلحة استقدمها النظام من العراق ، وينفض عن الأمر إن لم تثبت هذه المعلومة ويعتبره شأنا داخليا ، مثلما حدث في حلبجة ، فكلنا يعرف أن ديكتاتوريات العالم تتعايش وتتكاتف بل وتتزاوج أيضا .. بطرق عدة ليس بالضرورة أن يكون من بينها تبادل الأسلحة المحرمة دوليا ، فهذه الأسلحة تجلب أولا من دول لا تصنف على أنها ديكتاتورية ثم تنتشر من دولة لأخرى ، والوقوف أمام نظام ديكتاتوري مهمة لا يجب أن نضع لها حدودا .
أضع الخبر أيضا أمام وزراء الثقافة والإعلام العرب في اجتماعهم القريب بالقاهرة في السابع والعشرين من يونيو حزيران الجاري لمناقشة سبل الحفاظ على الثقافة والتراث والآثار العراقية !! ، نضعه أيضا أمام الإعلام العربي – وليس وزرائه فقط باعتبار أن هناك إعلام مستقل ومعارض حسب ما يقال ، فليناقشوا حلبجة السودانية إذا ثبتت ، حتى لوكان ضحاياها من غير العرب – فمواطنو السودان ذي المليونين كيلومتر مربع ليسوا عربا ومسلمين فقط بل من ديانات وقوميات مختلفة ، وغرب السودان مثالا به قبائل عدة مثل ( الزغاوة –المساليت – الفور -الرزيقات – التعايشة- المعالياو) لكن كلهم -بمن فيهم العرب والمسلمون - مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة في دولة عربية ( ديكتاتورية كغيرها ) ، فالجاني نظام يتقنع بالعروبة ويتلفح بالإسلام في أكبر إساءة لأمة ولدين سماوي
.. والصمت على جرائمه إهانة جديدة لنا ، ومشاركة مباشرة فيها . أخيرا إذا صح الخبر ، ولم يتحرك أحد فلن يصح القول بأن جراح الضحايا فم ...